السيد محمد تقي المدرسي

166

من هدى القرآن

هذه المفاسد متدرجة في خطورتها حسب هذا الترتيب الذي نجده في سورة الشعراء . ويجري الحوار بين النبي وقومه ، ويعاندونه ، ويهددونه ، وفي لحظة الحسم ينصر الله النبي والمؤمنين ، ويأخذ الكافرين بعذاب شديد ، ولعل العذاب يتناسب ونوع الفساد . ويبدأ النبي بالتذكرة بالله ، والأمر بتقواه وطاعته ، وينذرهم عذاب ربهم . ويؤكد الأنبياء عليهم السلام على أنهم لا يطالبونهم بأجر ، وإنما أجرهم على الله ، وبالتالي لا يدعون للناس مجالًا للشك في صدق رسالاتهم . وبالإضافة إلى ذلك ، فإن هناك شواهد على صدق رسالات الله ، فهي تدعو إلى الله ، وتتعالى على حواجز الدم والأرض والزمن ، وهي تتحدى بقوة الله كل القوى مما يستحيل على البشر ، وتحارب الفساد الأكبر في المجتمع . ويد الغيب تمتد لنصرتهم في الوقت المناسب بإهلاك أعدائهم ، هذا بالإضافة إلى قوة الحجة ، وسلامة السلوك ، والمعاجز الظاهرة ؛ كالعصى ، والناقة ، وخمود النيران ، وانفلاق البحر ، والطوفان . إن الصراع الدائر بين رسالة الله وثقافة الأرض ، صراع ممتد عبر الزمن ، لأن رسالات الله تهدف تغيير كل القيم الجاهلية ، وإقامة كيان ثقافي جديد . فحينما يدعو الأنبياء عليهم السلام شعوبهم إلى التسليم والإيمان بالله ، فإنهم يدعونهم في ذات الوقت إلى التسليم لكل القيم الإلهية التي تحمل التحضر والتمدن لأولئك الناس الذين سلموا لخرافات الماضي ، وفساد الواقع . وبالرغم من أن الرسل عليهم السلام قد تحملوا الصعوبات في سبيل تبليغ رسالاتهم ، إلا أنهم استطاعوا أن يغيروا أفكار البشرية ، حتى أن الأفكار الصحيحة التي نجدها في الأقوام الجاهلية لابد أن يكون الدين الإلهي مصدرها ، لأن الرسل كانوا بحق المحرك الأساسي للتاريخ البشري ، وإلا فإن البشرية كانت تسير بشكل طبيعي نحو النهاية . ومن هنا ؛ كان لزاماً علينا أن نقف ويقف معنا التاريخ كله إجلالًا لذلك الفكر الذي يصيغ أجيالًا مؤمنة ، وأن نقف إجلالًا أمام صبر الرسل وتضحياتهم . وفي سياق تبيان الصراع بين رسالات الله وثقافة الشعراء ، يضرب لنا الرب مثلًا من قصة النبي إبراهيم عليه السلام وقومه ، وكيف أوحى الله إليه بمقاومة الفساد العريض الذي تردّوا فيه ، فعبدوا الأصنام ؛ وحين سألهم إبراهيم عليه السلام عن ذلك ، لم يحروا جواباً ، وأصروا على التمسك بدين آبائهم الجهلة ، فأعلن البراءة منهم . .